أبو الليث السمرقندي

563

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ يقول : قلعنا ورفعنا الجبل فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي كهيئة الغمام وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي أنه يعني : أيقنوا الجبل واقع بهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي قيل لهم : اعملوا بما أعطيناكم من التوراة بقوة أي بجد ومواظبة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي اعملوا ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي ، وذلك حين أبوا أن يقبلوا التوراة ، فرفع الجبل فوقهم فقبلوا . وقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ أي : اذكر يا محمد إذا أخذ ربك . ويقال : معناه وقد أخذ ربك من بني آدم من ظهور بني آدم ذُرِّيَّتَهُمْ يعني : أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وقال بعضهم : يعني الذرية التي تخرج وقتا بعد وقت إلى يوم القيامة وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ فقال لهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى يعني : إنّ كل بالغ تشهد له خلقته بأن اللّه تعالى واحد شَهِدْنا يعني : قال اللّه تعالى شهدنا أَنْ تَقُولُوا أي لكيلا تقولوا . ويقال : هذا كراهة أن يقولوا : يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وروي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال : إن اللّه مسح على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر من هو مولود إلى يوم القيامة . فقال لهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا بأنك ربنا قال بعضهم : هذا التفسير لا يصح وطعنوا فيه من وجوه أحدها أن الرواية لم تصح لأنها رواية أبي صالح ، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته ، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح ، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته ، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح ويفرك أذنه ، ويقول له : إنك لم تحسن أن تقرأ القرآن ، فكيف تفسره بالرأي . قالوا : ولأن هذا غير محتمل في اللغة لأنه قال : من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم . قالوا : ولأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر . وإنما يجوز خطاب من هو عاقل . ومن كان مثل الذر كيف يجوز خطابه ؟ قالوا : ولأنه لا يجوز أن تكون حجة اللّه بشيء لم يذكر . وإنما تكون الحجة بشيء يكون الإنسان ذاكرا له . قالوا : ولأن اللّه تعالى قال : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [ غافر : 11 ] ولم يقل : أحييتنا ثلاث مرات . ولكن الجواب أن يقال : إن الرواية صحيحة ، لأن الآثار قد جاءت عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لا يجوز دفعه . فمن ذلك ما حدثنا الخليل بن أحمد . قال : حدثنا الماسرخسي . قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن علية عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال : مسح اللّه تعالى ظهر آدم فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . فأخذ ميثاقهم وأشهدهم على أنفسهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى .